السيد كمال الحيدري
81
اللباب في تفسير الكتاب
الموت الطبيعي . النحو الثالث : انطباق آيات المذنبين على أهل المراقبة والذِّكر والحضور في تقصيرهم ومساهلتهم في ذكر الله تعالى ، وهذا نحو آخر أدقّ ممّا تقدّمه . توضيح ذلك : إنّه يمكن أن يتصوّر للذنب مراتب ودرجات مختلفة : الأُولى : مرتبة الذنب المتعلِّق بالأمر والنهى المولويّين ، وهو المخالفة لحكم شرعىّ فرعىّ أو أصلىّ ، وإن عمّمت التعبير قلت : مخالفة مادّة من المواد القانونيّة دينيّة كانت أو غير دينيّة . وهذا هو المعروف والمركوز في أذهاننا معاشر المسلمين أيضاً من معنى الذنب والألفاظ التي تقاربه في المعنى كالسيّئة والمعصية والإثم والخطيئة والحوب والفسق ونحوها . الثانية : إنّ الأحكام العمليّة إذا عمل بها وروقبت وتحفّظ عليها ، ساقت المجتمع إلى أخلاق وأوصاف مناسبة لها ملائمة لمقاصد المجتمع التي هي غاية اجتماعهم ، وهذه الأخلاق هي التي يسمّيها المجتمع بالفضائل الإنسانيّة ويحرص عليها ، وتقابلها الرذائل ، وهى وإن كانت مختلفة باختلاف السنن والمقاصد في المجتمعات ، إلّا أنّ أصل إنتاج الأحكام الاجتماعيّة لها ممّا لا سبيل إلى إنكاره . ومن الواضح أنّه يمكن أن تتصوّر في مواردها أوامر عقليّة متعلّقة بالأخلاق الفاضلة كالشجاعة والعفّة والعدالة ، ونواهٍ عقليّة تردع عن الأخلاق الرذيلة كالجبن والتهوّر والظلم ، وكذا يتصوّر لها عقاب وثواب يسمّيان بالعقاب والثواب العقليّين كالمدح والذمّ . وبهذا تبيّن أنّ هناك مرتبة من الذنب فوق المرتبة السابقة ، وهى مرتبة التخلّف عن الأحكام الخلقيّة والأوامر المتعلّقة بها .